محمد سعيد رمضان البوطي

288

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

« يا معشر الأنصار ، ما قالة بلغتني عنكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم اللّه بي ، وكنتم متفرقين فألّفكم اللّه بي ، وكنتم عالة فأغناكم اللّه بي » ، ( كلما قال لهم من ذلك شيئا قالوا بلى ، اللّه ورسوله أمن وأفضل ) ، ثم قال : « ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ » قالوا : بماذا نجيبك يا رسول اللّه ؟ للّه ولرسوله المنّ والفضل . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أما واللّه لو شئتم لقلتم ، فلصدقتم ولصدّقتم : أتيتنا مكذّبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك » ، فصاحوا : بل المنّ علينا للّه ورسوله . ثم تابع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قائلا : « أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم من أجل لعاعة « 84 » من الدنيا تألّفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم ؟ فو اللّه لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ، والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار . وإنكم ستلقون أثرة من بعدي فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار » . فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم ، وقالوا رضينا باللّه ورسوله قسما ونصيبا « 85 » . وتبعه صلّى اللّه عليه وسلم ناس من الأعراب يسألونه مزيدا من العطاء ، حتى اضطروه إلى سمرة تعلق بها رداؤه ، فالتفت إليهم قائلا : « أعطوني ردائي أيها الناس ، فو اللّه أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ، ثم لا تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا « 86 » ، أيها الناس واللّه ما لي من فيئكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » « 87 » . وأدركه أعرابي فجذبه صلّى اللّه عليه وسلم جذبة شديدة من برده ، وكان عليه برد نجراني غليظ ، حتى أثّرت حاشية الرداء في صفحة عنقه ، وقال له ، مر لي من مال اللّه الذي عندك ، فالتفت إليه فضحك ، ثم أمر له بعطاء « 88 » . قال ابن إسحاق : ثم خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الجعرانة معتمرا ، فلما فرغ ، انصرف راجعا إلى المدينة ، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد .

--> ( 84 ) اللعاعة : بقلة خضراء تستهوي العين ، شبّه بها الدنيا . . ( 85 ) رواه البخاري ومسلم ، وابن إسحاق ، وابن سعد ، بنصوص متقاربة في الزيادة والنقصان . ( 86 ) رواه البخاري . ( 87 ) هذه الزيادة أخرجها أبو داود والنسائي عن عبد اللّه بن عمرو . ( 88 ) متفق عليه .